ابن أبي الحديد

66

شرح نهج البلاغة

أحدهما : أنه لا يرى لعدم صحة رؤية ذاته ، فلما شابه اللطيف من الأجسام في استحالة رؤيته ، أطلق عليه لفظ ( اللطيف ) إطلاقا للفظ السبب على المسبب . وثانيهما : أنه لطيف بعباده ، كما قال في الكتاب العزيز ، أي يفعل الألطاف المقربة لهم من الطاعة ، المبعدة لهم من القبيح ، أو لطيف بهم بمعنى أنه يرحمهم ويرفق بهم . قوله : ( كبير لا يوصف بالجفاء ) ، لما كان لفظ ( كبير ) إذا استعمل في الجسم أفاد تباعد أقطاره ، ثم لما وصف البارئ بأنه أراد أن ينزهه عما يدل لفظ ( كبير ) عليه ، إذا استعمل في الأجسام ، والمراد من وصفه تعالى بأنه كبير ، عظمة شأنه وجلالة سلطانه . قوله : ( بصير لا يوصف بالحاسة ) ، لأنه تعالى يدرك إما لأنه حي لذاته ، أو أن يكون إدراكه هو علمه ، ولا جارحة له ولا حاسة على كل واحد من القولين . قوله : ( رحيم لا يوصف بالرقة ) ، لان لفظة الرحمة في صفاته تعالى تطلق مجازا على ( 1 ) إنعامه على عباده ، لان الملك إذا رق على رعيته وعطف ، أصابهم بإنعامه ومعروفه . قوله : ( تعنو الوجوه ) ، أي تخضع ، قال تعالى : ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) ( 2 ) . قوله : ( وتجب القلوب ) ، أي تخفق ، وأصله من وجب الحائط ، سقط . ويروى : ( توجل القلوب ) أي تخاف ، وجل : خاف . وروى : ( صانع لا بحاسة ) ، وروى ( لا تراه العيون بمشاهدة العيان ) عوضا عن ( لا تدركه ) .

--> ( 1 ) ب ، د : ( عن ) . ( 2 ) سورة طه 111 .